الشوكاني
319
فتح القدير
موسى ( فعصى فرعون الرسول ) الذي أرسلناه إليه وكذبه ولم يؤمن بما جاء به ، ومحل الكاف النصب على أنها نعت لمصدر محذوف ، والمعنى : إنا أرسلنا إليكم رسولا فعصيتموه كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصاه ( فأخذناه أخذا وبيلا ) أي شديدا ثقيلا غليظا ، والمعنى : عاقبنا فرعون عقوبة شديدة غليظة بالغرق ، وفيه تخويف لأهل مكة أنه سينزل بهم من العقوبة مثل ما نزل به وإن واختلف نوع العقوبة . قال الزجاج : أي ثقيلا غليظا ، ومنه قيل للمطر وابل . وقال الأخفش : شديدا ، والمعنى متقارب ، ومنه طعام وبيل : إذا كان لا يستمرأ ، ومنه قول الخنساء : لقد أكلت بجيلة يوم لاقت * فوارس مالك أكلا وبيلا ( فكيف تتقون ) أي كيف تقون أنفسكم ( إن كفرتم ) أي إن بقيتم قوله على كفركم ( يوما ) أي عذاب يوم ( يجعل الولدان شيبا ) لشدة هوله : أي يصير الولدان شيوخا ، والشيب جمع أشيب ، وهذا يجوز أن يكون حقيقة ، وأنهم يصيرون كذلك ، أو تمثيلا ، لأن من شاهد الهول العظيم تقاصرت قواه وضعفت أعضاؤه وصار كالشيخ في الضعف وسقوط القوة ، وفي هذا تقريع لهم شديد وتوبيخ عظيم . قال الحسن : أي كيف تتقون يوما يجعل الولدان شيبا إن كفرتم ، وكذا قرأ ابن مسعود وعطية ، ويوما مفعول به لتتقون . قال ابن الأنباري : ومنهم من نصب اليوم بكفرتم ، وهذا قبيح ، والولدان الصبيان ، ثم زاد في وصف ذلك اليوم بالشدة فقال ( السماء منفطر به ) أي متشققة به لشدته وعظيم هوله ، والجملة صفة أخرى ليوم ، والباء سببية ، وقيل هي بمعنى في : أي منفطر فيه ، وقيل بمعنى اللام : أي منفطر له ، وإنما قال منفطر ولم يقل منفطرة لتنزيل السماء منزلة شئ لكونها قد تغيرت ، ولم يبق منها إلا ما يعبر عنه بالشئ . وقال أبو عمرو بن العلاء : لم يقل منفطرة ، لأن مجازها السقف ، كما قال الشاعر : فلو رفع السماء إليه قوما * لحقنا بالسماء وبالسحاب فيكون هذا كما في قوله - وجعلنا السماء سقفا محفوظا - وقال الفراء : السماء تذكر وتؤنث . وقال أبو علي الفارسي : هو من باب الجراد المنتشر والشجر الأخضر ، و - أعجاز نخل منقعر - قال أيضا : أي السماء ذات انفطار كقولهم امرأة مرضع : أي ذات ارضاع على طريق النسب ، وانفطارها لنزول الملائكة كما قال - إذا السماء انفطرت - وقوله - والسماوات يتفطرن من فوقهن - وقيل منفطر به : أي بالله والمراد بأمره ، والأول أولى ( كان وعده مفعولا ) أي كان وعد الله بما وعد به من البعث والحساب وغير ذلك كائنا لا محالة ، والمصدر مضاف إلى فاعله ، أو وكان وعد اليوم مفعولا ، فالمصدر مضاف إلى مفعوله . وقال مقاتل : كان وعده أن يظهر دينه على الدين كله . وقد أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة ، والبيهقي في سننه عن سعد بن هشام قال " قلت لعائشة : أنبئيني عن قيام رسول الله ، قالت : ألست تقرأ هذه السورة - يا أيها المزمل ؟ قلت بلى ، قالت : فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم ، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرا ، ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة ، فصار قيام الليل تطوعا من بعد فرضه " وقد روى هذا الحديث عنها من طرق . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : لما نزلت أول المزمل كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها ، وكان بين أولها وآخرها نحو